مقياس علم الآثار الجنائزية (الأركيوتاناتولوجيا) من أبرز المقاربات في دراسة المجتمعات القديمة، حيث يركز على تحليل الممارسات المرتبطة بالدفن، وأنماط القبور، والطقوس الجنائزية، بهدف فهم البُنى الاجتماعية والرمزية للإنسان القديم. ولا يقتصر هذا المجال على الوصف الشكلي للمعالم الجنائزية، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير دلالاتها الثقافية والاجتماعية، مثل تحديد مكانة الفرد داخل الجماعة، وأنماط التنظيم الاجتماعي، والتصورات المرتبطة بالموت.

ويعتمد هذا التخصص على مجموعة من الأدوات والمنهجيات المتكاملة، من بينها التحليل المورفولوجي للقبور، ودراسة التوزيع المكاني للمدافن، وتحليل اللقى الأثرية المصاحبة، إضافة إلى توظيف التقنيات الحديثة مثل التحليل الجيوفيزيائي، ودراسة الحمض النووي القديم (ADN ancien)، وتحليل النظائر المستقرة (Isotopes) مثل نظائر الكربون والنيتروجين والأكسجين، والتي تتيح استنتاج أنماط التغذية، وأصول الأفراد، ومسارات تنقلهم.
ومن خلال دمج هذه المعطيات المتعددة، يتمكن الباحث من إعادة بناء سلوكيات المجتمعات القديمة بشكل أدق، وفهم تطورها عبر الزمن، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي، مما يجعل من علم الآثار الجنائزية مجالًا متعدد التخصصات يربط بين المعطيات الأثرية والبيولوجية والبيئية.